” الجملة أثرت فيها، لكنها لم تقل شيئًا. في المساء، رجعت ريهام إلى بيتها ووجدت ظرفًا أمام الباب، فتحته.. كان بداخله خطاب بخط يد حماتها، قرأته بهدوء: “ريهام، أنا عارفة إن كلمة آسفة مش هتمسح اللي عملته، وعارفة إنك مش مطالبة تسامحيني، لكن في حاجة واحدة لازم تعرفيها.. يوم ما قدمتلك ورقة الطلاق، كنت فاكرة إني بكسر حياتك، لكن بعد كل اللي حصل، اكتشفت إني كنت بضُر ابني كمان. هو اتعلم متأخر إنه لازم يبقى له قرار، وأنا اتعلمت متأخر إن الأم مش معناها إنها تتحكم في حياة ابنها. أنا مش هطلب منك ترجعي لمحمود، ومش هطلب منك تنسي، أنا بس بطلب منك تدعي إن ربنا يصلح اللي أفسدته.” ريهام طوت الخطاب. ولأول مرة، شعرت أن الغضب الذي حملته طوال السنة الماضية بدأ يهدأ. لم تختفِ الذكريات، لكنها لم تعد تؤلمها بنفس القوة. وفي صباح اليوم التالي، ذهبت إلى الجمعية التي أسستها حماتها. وجدتها وسط مجموعة من السيدات تساعد إحداهن في إنهاء أوراق مشروع صغير. سعاد رفعت رأسها، ولما شافت ريهام اتفاجئت: “إنتِ جيتي؟” ريهام ابتسمت: “جيت أشوف الشغل ماشي إزاي.” سعاد دمعت عينيها: “ما توقعتش تيجي.” “أنا كمان ما توقعتش إني هاجي.” ضحكتا معًا. وفي اللحظة دي، فهمت ريهام إن بعض العلاقات لا تعود كما كانت، لكنها أحيانًا تتحول إلى شيء أكثر نضجًا؛
لا زوجة وحماتها ولا خصمين، بل شخصين أخطأ أحدهما في حق الآخر ثم اختارا أن يتعلما. أما محمود فظل بعيدًا، لم يستعجلها ولم يطلب منها وعدًا، وكان ذلك تحديدًا هو السبب الذي جعل ريهام تبدأ لأول مرة تفكر فيه من جديد؛ ليس باعتباره زوجها السابق، بل باعتباره الرجل الذي كان يومًا ضعيفًا ثم قرر أن يتغير. وفي ليلة هادئة، وصلته رسالة منها لأول مرة منذ الطلاق: “محمود، لو فاضي بكرة، ممكن نتكلم؟” قرأ الرسالة أكثر من مرة، ثم ابتسم وكتب: “فاضي”. وكانت تلك الرسالة الصغيرة أول صفحة حقيقية في حكاية جديدة. لكن هذه المرة، لن تكون الحكاية عن ريهام التي تحاول إنقاذ زواجها، بل عن ريهام ومحمود.. وهل يمكن لحب قديم أن يولد من جديد بعدما تعلم الطرفان أخيرًا معنى الاحترام؟ في اليوم التالي، اتقابلت ريهام ومحمود في كافيه هادي بعيد عن الناس. محمود وصل قبلها بعشر دقايق، ولما دخلت ريهام وقف احترامًا وقال: “اتفضلي.” قعدت قدامه وقالت: “أنا مش جاية أقولك نرجع.” “عارف.” “ولا جاية ألومك.” “عارف.” ابتسمت: “أمال ليه كل إجاباتك عارف؟” ضحك لأول مرة من قلبه: “عشان قضيت سنة كاملة أتعلم أسمع قبل ما أتكلم.” سكتت ريهام، ثم قالت: “أنا عايزة أسألك سؤال واحد.” “اسألي.” “لو رجعنا بالزمن لليلة عيد جوازنا ووالدتك قدمتلي ورقة الطلاق قدام الناس، كنت هتعمل إيه؟
” محمود أخذ نفسًا طويلًا: “كنت هقف جنبك وأقول لأمي إن ده مش حقها.” “بس ده مش اللي حصل.” “عارف، وعشان كده أنا مش بطلب منك تنسي.” ريهام بصت له طويلًا: “أنا اتغيرت يا محمود.” “وأنا كمان.” “زمان كنت بخاف أخسرك.” رد بهدوء: “ودلوقتي؟” قالت: “دلوقتي عرفت إني لو خسرت نفسي، هخسر كل حاجة.” محمود ابتسم: “وده أكتر شيء أنا بحترمه فيكي.” خرجوا من الكافيه بعد ساعة؛ لم يتفقا على الرجوع ولم يتعهدا بأي شيء، لكن في الطريق، ريهام شعرت براحة غريبة. لأول مرة كانت تتكلم مع محمود من غير ما تشعر أنها مطالبة بإرضائه. وبعد شهر كامل، ظل محمود على نفس موقفه؛ لم يتدخل في شركتها، لم يطلب منها قرارًا، ولم يسمح لأمه بالتدخل. وفي يوم عيد ميلاد ريهام، وصلت إلى الشركة فوجدت على مكتبها باقة ورد صغيرة وبجانبها ورقة، فتحتها وكان مكتوبًا: “مش هقولك إنك نصيبي ولا إنك لازم ترجعيلي، هقولك بس إن السنة اللي فاتت علمتني إن الإنسان ممكن يخسر أغلى حاجة عنده بسبب غروره وضعفه. ولو ربنا كتب لنا بداية جديدة، هبدأها وأنا عارف إنك شريكة مش تابعة، ولو ما كتبش، هفضل ممتن إنك علمتيني معنى الاحترام.” ريهام قرأت الرسالة أكثر من مرة، ثم ابتسمت. وفي المساء، ذهبت إلى بيت حماتها. كانت سعاد قاعدة لوحدها، لما شافت ريهام قالت: “خير؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.