” محمود أخد نفس طويل، ولأول مرة في حياته قال: “لا يا أمي، المرة دي أنا اللي هحدد مصلحتي.” وقفل المكالمة. ريهام بصت له من غير كلام. قال: “دي أول مرة أقولها.” ابتسمت ابتسامة صغيرة: “وأول خطوة صح.” بعد أسبوعين، صدر الحكم النهائي بالطلاق، واتقفلت كل الملفات المالية بالتراضي ومن غير مشاكل. لكن ريهام ما اكتفتش إنها تبدأ حياة جديدة لنفسها. استخدمت جزء من فلوسها وفتحت شركة صغيرة لتدريب السيدات على إدارة المشروعات والعمل من البيت، عشان أي واحدة تخرج من عندهم تبقى عارفة إنها تقدر تعتمد على نفسها. وفي يوم افتتاح الشركة، فوجئت بشخص واقف عند الباب؛ كانت حماتها. ريهام اتفاجئت، لكن ما طردتهاش، وقالت: “حضرتك جاية ليه؟” حماتها بصت حوالين المكان.. المكان اللي كان كله سيدات بيشتغلوا ويتعلموا ويضحكوا، وقالت بصوت منخفض: “أنا كنت غلطانة.” ريهام سكتت. “كنت فاكرة إن قوة الست معناها إنها تسيطر على غيرها، لكن اكتشفت إنك أقوى مني من غير ما تكسري حد.” ريهام ردت: “أنا مش محتاجة اعتذار عشان أبدأ حياتي.” حماتها دمعت عينيها: “بس أنا محتاجة أقوله.” ثم مدت إيدها لريهام. ريهام بصت لإيدها ثواني، وبعدها صافحتها. مش لأنها نسيت، ومش لأنها سامحت كل حاجة في لحظة، لكن لأنها قررت إن الماضي مش هيكون هو اللي يحكم مستقبلها. وفي آخر اليوم، خرجت ريهام من الشركة، وقفت قدام الباب، وبصت للاسم المكتوب على اللافتة: “ريهام.
. بداية جديدة”. ابتسمت. وفي نفس اللحظة وصلتها رسالة من محمود: “مش هطلب منك ترجعي، بس لو في يوم احتجتي حد يثبت لك إنه اتغير، هتلاقيني.” قفلت الرسالة من غير رد، ورفعت عينيها للسما. لأول مرة، ما كانش عندها سؤال: “هعيش إزاي من غيره؟” كان عندها سؤال واحد بس: “هعمل إيه بكل الحياة اللي لسه قدامي؟” وكانت الإجابة قدامها: “هتعيشها لنفسها”. بعد مرور ثلاثة شهور، كانت حياة ريهام اتغيرت تمامًا. الشركة الصغيرة اللي بدأت بيها من مكتب متواضع، بقت بتكبر يوم بعد يوم، والستات اللي اشتغلوا معاها بقوا عشرات. لكن في صباح يوم عادي، وصلها ظرف من المحكمة. فتحت الظرف، وقرأت أول سطر.. اتجمدت مكانها. كان فيه طلب رسمي من حماتها بإعادة فتح ملف قديم متعلق بملكية البيت اللي كانت ريهام عايشة فيه مع محمود. ريهام مسكت التليفون واتصلت بمحاميها: “هو إيه اللي بيحصل؟” رد المحامي: “اللي واضح إن حماتك بتحاول تثبت إن جزء من ممتلكاتك كان ملك ابنها.” ريهام سكتت لحظة، ثم قالت: “بس كل المستندات باسمي.” “عارف، وعشان كده متقلقيش.” قفلت المكالمة، لكن إحساسها بالقلق ما اختفاش. في نفس اليوم، ظهر محمود أمام مكتبها وكان شكله متعب. قال: “أنا عرفت اللي أمي عملته.” ريهام ردت بهدوء: “وجاي تقول إيه؟” “جاي أقولك إني مش موافق على اللي بتعمله.” “دي والدتك.
” “عارف، بس ده مش معناه إني أسيبها تظلمك.” ثم أخرج ملفًا ووضعه أمامها: “دي أوراق عندي تثبت إن كل حاجة كانت ملكك قبل الجواز.” ريهام فتحت الملف: “ليه بتعمل كده؟” محمود ابتسم بحزن: “يمكن لأول مرة أكون زوج سابق محترم، بدل ما أكون ابن بيوافق على أي حاجة.” ضحكت ريهام رغمًا عنها: “أنت لسه عندك فرصة تصلح نفسك يا محمود.” رد: “وأنا عارف.” بعد أيام، انعقدت الجلسة. دخلت ريهام القاعة وهي هادئة. كانت حماتها جالسة في الناحية الأخرى وملامحها واثقة، لكن ثقتها اختفت عندما بدأ المحامي يعرض المستندات: عقود الشراء، إيصالات التحويل، وتاريخ تأسيس الشركة.. كل شيء كان موثقًا. ثم وقف محمود أمام القاضي وأدلى بشهادته بكل وضوح. ولما انتهت الجلسة، خرجت حماته وهي منهارة، وقفت أمام ريهام وقالت: “أنا كنت فاكرة إنك لما تطلقي من ابني هتضيعي.” ريهام ردت: “وأنا كنت فاكرة إني محتاجة أثبت لك إني أقدر أعيش من غيره.” سكتت لحظة، ثم ابتسمت: “لكن اكتشفت إن الموضوع أكبر من كده.” “إيه؟” “إني مش محتاجة أثبت لأي حد أي حاجة أصلًا.” في اليوم التالي صدر القرار برفض كل مطالبات حماتها، وأُغلقت القضية نهائيًا. أما ريهام، فبدل ما تحتفل بانتصارها، عملت حاجة محدش توقعها؛ تبرعت بجزء من أرباح الشركة لصندوق يساعد السيدات اللي بيبدأوا حياتهم من الصفر. وفي المساء، وصلها اتصال من محمود.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.