عبد السميع اتراجع، وخبط في الترابيزة. وقعت منها صورة قديمة. انحنى بسرعة ورفعها. كانت صورة لعمر وهو طفل، واقف جنب أبوه قدام البيت. لكن الغريب إن عبد السميع في الصورة كان لابس نفس الساعة اللي في إيده دلوقتي! قلب الصورة. كان مكتوب عليها بخط عمر: (الصورة دي اتصورت قبل الحادثة بأيام، لكن اللي فيها مش أبويا). عبد السميع حس إن رجليه ماعادوش شايلينه.
وفجأة سمع صوت المسجل يشتغل من نفسه، وصوت عمر خرج واضح: ـ يا بابا لو وصلت للنقطة دي، يبقى هما عرفوا إنك بدأت تفتكر. سكت التسجيل ثانيتين، ثم قال عمر: ـ أول حاجة لازم تعرفها إن ذاكرتك مش كاملة. عبد السميع قرب من المسجل وهو بيرتعش: ـ تفتكر إيه يا عمر؟! وجاء الرد من التسجيل: ـ افتكر يوم الحادثة قبل ما العربية تتحرك… عبد السميع فضل باصص للموبايل ومش قادر ينطق.
الرسالة اختفت فجأة من الشاشة. ضغط عليها بسرعة، لكن الموبايل طفى. قال الطبيب بصوت منخفض: ـ لازم نمشي من هنا فورًا. ـ ليه؟ الطبيب قرب منه وقال: ـ لأن الرسالة دي مش أول رسالة اتبعتت للموبايل ده. ـ أمال إيه؟ الطبيب شغّل الموبايل من جديد، وفتح مجلد الرسائل القديمة. كان فيه عشرات الرسائل. كلها من نفس الرقم. لكن التاريخ كان صادمًا… أول رسالة اتبعتت من تسع سنين!
عبد السميع بدأ يقرأ واحدة واحدة: الأولى: (المريض بدأ يستعيد وعيه). الثانية: (هو بيسأل عن ابنه). الثالثة: (ممنوع حد يقول له اسمه الحقيقي). الرابعة: (النسخة البديلة بدأت تتصرف كأنه صاحب البيت). عبد السميع رفع عينه للطبيب: ـ نسخة بديلة؟! الطبيب ما ردش. نزل عبد السميع بعينه لآخر رسالة… كانت بتاريخ يوم حادث عمر: (عمر عرف كل حاجة، لازم نوقفه قبل ما يوصل لأبوه الحقيقي).
سقط الموبايل من إيده. ـ أبوه الحقيقي؟! وفي اللحظة دي، الراجل اللي شبه عبد السميع قرب منه وقال: ـ دلوقتي فهمت ليه عمر كان بيقولك يا بابا؟ عبد السميع اتراجع خطوة: ـ أنا أبوه! الرجل هز رأسه: ـ أنت أبوه، بس السؤال: من إمتى؟ وقبل ما عبد السميع يرد، صدر صوت من آخر الممر. خطوات بطيئة. (واحد… اتنين… تلاتة…) ثم ظهر رجل مسن ماسك ملف بني قديم. أول ما شافه الطبيب، وشه اتغير تمامًا.
الرجل قال: ـ كفاية لعب. وبص لعبد السميع مباشرة: ـ الوقت جه تعرف الحقيقة اللي عمر مات عشان يخبيها عنك. فتح الملف. وكانت أول ورقة فيه صورة عبد السميع، وتحت الصورة مكتوب: (هوية غير مؤكدة – تم استبداله منذ 9 سنوات). الرجل المسن حط الملف على الترابيزة، وقال بصوت هادي بشكل يخوف: ـ دي مش ورقة اتهام، دي ورقة إثبات.
عبد السميع مد إيده وخطف الملف: ـ إثبات إيه؟ الرجل رد: ـ إن الراجل اللي قدامنا دلوقتي مش هو نفس الراجل اللي دخل المستشفى من تسع سنين. عبد السميع بص للطبيب. الطبيب ما نطقش… وده كان أكتر حاجة خوّفته. قلب عبد السميع الورقة. كان فيها تقرير طبي قديم، وصورة أشعة، وتحتهم تاريخ من تسع سنين. لكن المفاجأة كانت في خانة “علامة مميزة”: (ندبة قديمة أسفل الرقبة من الناحية اليسرى).
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.