وفي نفس الفترة، كان فيه رجل آخر يشبهه بدرجة مخيفة، وكان متورطًا في تزوير أوراق وحسابات تخص المستشفى. بعد الحادث، حصل التبديل. الرجل الآخر خرج من المستشفى مستخدمًا اسم عبد السميع. أما عبد السميع الحقيقي، فبسبب إصابته وفقدانه جزءًا من ذاكرته، لم يستطع إثبات هويته. ومرت السنوات… وعمر وحده بدأ يلاحظ الاختلافات؛ طريقة الكلام، ذكريات والده، تفاصيل صغيرة لا يعرفها الرجل الذي يعيش معهم.
ولما كبر، بدأ يبحث، وعثر على الملف رقم 23، وعرف أن الرجل الذي عاش معهم طوال السنوات لم يكن والده الحقيقي. لكن عمر لم يواجهه؛ كان خايفًا أن يكون الرجل نفسه ضحية مثل والده، لذلك جمع الأدلة سرًا. وفي ليلة الحادث، كان عمر في طريقه ليكشف كل شيء. لكن السيارة تعرضت للحادث. لم يمت عمر في اللحظة التي ظنها الجميع؛
كان حيًا عندما وصل المستشفى، واستطاع قبل وفاته أن يخفي الأدلة، ويترك سلسلة العلامات والمفاتيح والتسجيلات التي تقود والده للحقيقة. أما الرجل الذي ظهر لهم في المراية، فكان هو عبد السميع الحقيقي! كان قد عاش سنوات بعيدًا عن بيته، يبحث عن طريقة لإثبات هويته، حتى ساعده عمر قبل وفاته. اقترب الرجل من عبد السميع وقال: ـ ابنك عرف الحقيقة قبلك، وكان بيحاول يرجعك لحياتك.
عبد السميع سكت طويلًا، ثم قال بصوت مكسور: ـ طب ليه عمر كان بيقول لي “خرجني من هنا”؟ الرجل وضع يده على كتفه: ـ لأنه كان يقصد المستشفى؛ المكان اللي احتجزوه فيه بعد الحادث. كان عايزك تعرف إنه ماكانش مجرد حادث. فتح الطبيب آخر ملف، وكان بداخله تسجيل مصور لعمر. ظهر عمر على الشاشة، متعبًا لكنه مبتسم، وقال: ـ يا بابا، لو أنت بتشوف التسجيل ده، يبقى أنا ماقدرتش أقول لك الحقيقة بنفسي.
سكت قليلًا، ثم ابتسم وقال: ـ متزعلش مني عشان خبيت عليك. أنا كنت خايف عليك أكتر ما كنت خايف على نفسي. نزلت دمعة من عين عبد السميع. وصوت عمر أكمل: ـ وإوعى تفتكر إنك ضيعتني، أنت أبويا الحقيقي، حتى لو الدنيا حاولت تغيّر كل حاجة. انطفأت الشاشة. عبد السميع فضل واقف ساكت. ثم خرج من البيت، واتجه ناحية قبر عمر.
وقف أمام القبر طويلًا، وقال: ـ سامحني يا ابني، أنت اللي كنت بتحاول تنقذني، وأنا كنت فاكر إني اللي بحاول أنقذك. ووضع الورقة الأخيرة فوق قبره، وكانت مكتوبة بخط عمر: (الحقيقة اتدفـ,ـنت معايا، بس أنا سبتلك الطريق عشان تطلعها). وبعد سنوات من الخوف والشك، ظهرت الحقيقة كاملة، وتمت مراجعة ملفات المستشفى والبلاغات القديمة، وانكشف التلاعب الذي حدث في هوية عبد السميع.
أما الرجل الذي عاش مكانه، فقد حوكم على الجرائم التي ارتكبها. وعبد السميع… لم يعد يخاف من المرآة. لأنه في آخر مرة وقف أمامها، لم يرَ رجلًا غريبًا خلفه؛ رأى نفسه فقط. لكن قبل أن يترك الغرفة، لمح شيئًا صغيرًا على طرف المرآة. مسحه بيده، فظهر خط باهت كان مكتوبًا تحته: (اطمّن يا بابا، أنا خرجت).
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.