نادته زينب بفرح: — حمدًا لله على سلامتك يا زوجي! لقد اشتقنا إليك كثيرًا. اقتربت منه لتأخذ عنه عباءته، لكنه ابتعد فجأة وقال بغلظة: — ابتعدي عني! ألا ترين أنني متعب؟ تجمدت زينب في مكانها. — ما بك يا مراد؟ هل حدث لك شيء في الطريق؟ صاح فيها: — قلت لكِ ابتعدي! لا أطيق سماع صوتك!
ركض الصغار إليه، وكان ابنه الأكبر يحمل لوحة رسمها له طوال غيابه.— أبي، انظر ماذا صنعت لك! انتزع مراد اللوحة من يده وألقاها على الأرض. — اذهبوا جميعًا إلى غرفكم! لقد سئمت هذا الصراخ! انفجرت الصغيرة في البكاء، بينما وقفت زينب مذهولة، لا تصدق أن الرجل الذي كان يحمل أبناءه قبل أيام صار ينظر إليهم كأنهم أعداؤه. وفي تلك اللحظة، ظهرت دُرّة من خلف الستار، تخفي ابتسامة انتصارها.
اقتربت من مراد وقالت برقة: — سيدي، لعلك تحتاج إلى الراحة. سأعد لك غرفتك بنفسي. نظر إليها مراد، فسكنت ملامحه فجأة، وقال بصوت هادئ: — أنتِ الوحيدة التي تفهمينني في هذا البيت يا دُرّة. سمعت زينب العبارة، وشعرت كأن خنجرًا غُرس في صدـ,,ـــرها. وفي الليل، جلست إلى جوار زوجها تحاول الحديث معه. — يا مراد، إن كنت غاضبًا مني بسبب أمر فعلته، فأخبرني، والله ما أردت يومًا إلا رضاك.
التفت إليها بعينين باردتين. — وهل تظنين أن كل شيء يدور حولك؟ لقد ضقت بهذا البيت، وضقت بكِ، ولم أعد أحتمل رؤية وجهك! وضعت زينب يدها على فمها حتى لا تصرخ من شدة البكاء. — مراد، أنا زوجتك منذ خمسة عشر عامًا! وقفت بجوارك حين كنت تبدأ تجارتك بدراهم قليلة، وبعت حليي يوم خسرت أول صفقة، وكنت أقول لك إننا سننهض من جديد! أهذه مكافأتي؟ صرخ: — لا تذكّريني بالماضي!
لقد انتهى كل شيء! ثم نهض وخرج من الغرفة، تاركًا إياها تبكي وحدها. وفي الممر، كانت دُرّة تنتظر، فلما رأته قالت: — لا تحزن يا سيدي، فبعض الناس لا يستحقون ما تمنحهم إياه من حب. أمسك مراد بيدها وقال: — منذ دخلتِ حياتي، شعرت أنني أستطيع التنفس. لا أعرف لماذا لم أركِ من قبل. ابتسمت دُرّة، لكن قلبها كان يردد: — اقتربتُ من العرش، ولم يبقَ إلا أن أسقط الملكة!
ومع مرور الأيام، ازداد نفور مراد من زوجته وأولاده، حتى صار يمنعهم من الجلوس معه إلى المائدة، ويغضب إن سمع صوت أحدهم. أما زينب، فكانت تحاول إخفاء ما يحدث عن الناس، خوفًا على سمعة زوجها وتجارة عائلتها. وفي صباح يوم، دخل مراد إلى المجلس، فوجد زينب جالسة مع أولادها، تحاول إقناعهم بتناول الطعام.
ضــ,,ـــــرب بيده على الطاولة وقال: — من سمح لكم بالجلوس هنا؟ وقفت زينب بسرعة: — إنهم أولادك يا مراد، ولم يأكلوا منذ الصباح. قال ببرود: — ليأكلوا في جناحهم! ومن اليوم، لا أريد أن أراهم في مجلسي. شهقت زينب: — أتطرد أبناءك من مجلس أبيهم؟! اقترب منها وقال: — بل سأطردكم من هذا القصر كله، إن لم تتعلمي كيف تطيعينني! تعلقت الصغيرة بثوب أمها وهي تبكي: — أمي، هل أبي لم يعد يحبنا؟
لم تستطع زينب الإجابة، فضمتها إلى صدـ,,ـــرها وقالت: — أبوك يحبكم يا روحي، لكنه متعب، وسيعود كما كان بإذن الله. لكنها ما إن قالت ذلك حتى دخلت دُرّة، ترتدي ثوبًا فاخرًا، وفي يدها مفتاح غرفة مراد الخاصة. قالت أمام الجميع: — سيدي، لقد جهزت الغرفة التي طلبتها، ولكن هناك أمر يجب أن نحسمه. نظر إليها: — وما هو؟ أشارت إلى زينب وأولادها، وقالت بجرأة: — لا يمكن أن أظل خادمة في بيت لم يعد لك فيه راحة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.