بلغني أيها الملك السعيد،

نُشر منذ 9 ساعات
حفظ
غلاف المقال

بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد، أن في سالف العصر والأوان، في سالف الزمان، كان يا ما كان، في قديم الزمان، تاجرٌ من أغنى تجار بغداد، واسع الرزق، عظيم الجاه، اسمه مراد، وكان له من المال ما تفتح له أبواب القصور، ومن المحبة ما تتمنى مثله قلوب البشر. وكان مراد متزوجًا من امرأة طيبة الأصل، حسنة الخلق، اسمها زينب، رزقه الله منها ولدين وبنتًا صغيرة، وكان يحبهم حبًّا لا يساويه حب، فإذا عاد من تجارته مساءً، لم يسأل عن ماله ولا عن بضاعته، وإنما يسأل: — أين زينب؟

وأين صغاري؟ أما اشتقت إليكم حتى كادت روحي تفارقني؟ فتخرج زوجته تستقبله، ويجري الصغار إلى أحضانه، فيرفع هذا ويقبل ذاك، ثم يجلسهم حوله ويقول ضاحكًا: — والله لو خُيّرت بين كنوز الأرض وبين ضحكة واحدة منكم، لاخترت ضحكتكم وتركت الكنوز لأصحابها! وكانت زينب تشرف على بيته، وترعى أولاده، وتحسن إلى الفقراء، حتى صار الناس يضــ,,ـــــربون بها المثل في الطيبة والكرم.

لكن يا مولاي، لم يكن كل من دخل ذلك البيت يحمل في قلبه المحبة، فقد كانت في القصر جارية تُدعى دُرّة، آية في الجمال، ناعمة الصوت، حلوة الحديث، غير أن قلبها كان أشد سوادًا من ظلام الليل، وعيناها لا تنظران إلى نعمة عند غيرها إلا تمنت زوالها. وكانت دُرّة تراقب سيدتها زينب من بعيد، وترى كيف يبتسم لها مراد، وكيف يشتري لها الحلي والثياب، وكيف إذا مرض أحد الصغار ترك مجالس التجار وجلس بجواره حتى يطمئن عليه.

وذات ليلة، وقفت دُرّة خلف ستار المجلس، فرأت مرادًا يدخل حاملًا صندوقًا صغيرًا من الذهب، ثم ينادي زوجته. — تعالي يا زينب، لقد عدت اليوم من سفري ومعي هدية لكِ. قالت زينب مبتسمة: — أما كفاك ما أغدقت عليَّ من النعم يا مراد؟ والله إن وجودك بجواري أغلى عندي من كل ذهب الدنيا. فضحك وقال: — وهل يمنع الحب من الهدية؟ افتحي الصندوق.

فوجدت فيه سوارًا مرصعًا بالجواهر، فدمعت عيناها وقالت: — حفظك الله لي ولأولادنا، وجعل بيتنا عامرًا بالمودة. وفي تلك اللحظة، قبــ,,ـــــضت دُرّة على طرف ثوبها حتى كادت تمزقه، وهمست في نفسها: — أكل هذا لها؟! أنا التي أخدم في هذا القصر، وأنا التي أسمع صوته كل يوم، فلماذا تكون هي السيدة وأنا مجرد جارية؟! لماذا تنام في الحرير وأنا أنام في غرفة الخدم؟

ولماذا يبتسم لها كأنها الشمس، ولا يراني إلا بعين العابر؟ ثم رفعت رأسها، وظهر في عينيها بريق مخيف. — أقسم بمن خلقني، لأجعلن هذا البيت لي، ولأجلسن مكان زينب، ولأجعلنها تخرج من هذا القصر مطرودة، ومعها أولادها، ولن أهدأ حتى يصبح مراد لي وحدي! ومن هنا يا مولاي، بدأت الحكاية التي ستجعل أهل بغداد يتناقلون خبرها في الأسواق والطرقات.

في صباح اليوم التالي، دخلت دُرّة على زينب وهي تحمل إبريقًا من الشراب، وانحنت أمامها في أدب مصطنع. — سيدتي، هل تأمرينني بشيء؟ قالت زينب برفق: — لا يا دُرّة، ولكن أراك شاحبة الوجه، هل أصابك مرض؟ خفضت الجارية عينيها وقالت: — بل أصابني الهم يا سيدتي، فأنا غريبة لا أهل لي ولا سند، وأخشى أن أبقى طوال عمري خادمة لا قيمة لي.

فابتسمت زينب وقالت: — لا تقولي هذا، فأنتِ في بيتنا، ولكِ حق علينا، وإذا أردتِ الزواج يومًا ساعدتك حتى تجدي رجلًا يصونك ويكرمك. رفعت دُرّة رأسها ببطء، وداخلها نــ,,ـــــار تكاد تحــ,,ـــــرق صدـ,,ـــرها. — زواج؟! أتظنين أنني أريد رجلًا فقيرًا يأخذني إلى كوخ؟! لكنها لم تنطق بذلك، بل قالت: — جزاكِ الله خيرًا يا سيدتي، لن أنسى فضلك أبدًا. وخرجت من عندها وهي تتمتم: — بل سأجعلك أنتِ من تحتاجين إلى من يشفق عليكِ!

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
dd

dodo dodo ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
283مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة