بلغني أيها الملك السعيد،

نُشر منذ 13 ساعة
حفظ
غلاف المقال

— زواج؟! أتظنين أنني أريد رجلًا فقيرًا يأخذني إلى كوخ؟! لكنها لم تنطق بذلك، بل قالت: — جزاكِ الله خيرًا يا سيدتي، لن أنسى فضلك أبدًا. وخرجت من عندها وهي تتمتم: — بل سأجعلك أنتِ من تحتاجين إلى من يشفق عليكِ! ومرت أيام، وكانت دُرّة تقترب من مراد كلما سنحت لها الفرصة، فتتحدث بصوت ناعم، وتبالغ في خدمته، وتختلق الأعذار لتكون بالقرب منه.

وفي إحدى الليالي، كان مراد يجلس في مخزن تجارته، يراجع حساباته، فدخلت دُرّة تحمل كأسًا من الشراب. قال لها دون أن يرفع رأسه: — ضعيه وانصرفي يا دُرّة. لكنها لم تنصرف، بل وقفت تنتظر حتى رفع عينيه إليها. — أما سمعتِ ما قلت؟ قالت بصوت مرتجف: — سمعت يا سيدي، ولكني أراك مهمومًا منذ أيام، فأشفقت عليك. قطب حاجبيه وقال: — وما شأنك بهمومي؟

أطرقت رأسها، ثم قالت: — لا شأن لي، سوى أنني أرى أنك تحمل أعباء الدنيا وحدك، بينما لا يشعر أحد بما تعانيه. ضحك مراد ساخرًا: — ومن أخبرك أن زوجتي لا تشعر بي؟ زينب هي التي تحمل همي قبل همها. تغير وجه دُرّة للحظة، لكنها سرعان ما استعادت ابتسامتها. — عفوًا يا سيدي، لم أقصد الإساءة إليها، ولكن بعض النساء لا يعرفن قيمة الرجال إلا حين يفقدونهم.

وقف مراد ونظر إليها بحدة: — إياكِ أن تتحدثي عن زوجتي بسوء مرة أخرى. زينب تاج على رأسي، ومن لا يحفظ لها قدرها لا مكان له في بيتي. خرجت دُرّة من المخزن، وقد تحولت ابتسامتها إلى نظرة حقد. — أتدافع عنها بهذا الجنون؟ حسنًا يا مراد، سنرى إن كنت ستظل تقول هذا الكلام بعد أيام!

ومنذ تلك الليلة، بدأت دُرّة تبحث عن باب آخر تدخل منه إلى قلب التاجر، باب لا يعرف مراد أنه موجود، ولا تستطيع زينب أن تتوقعه. وفي أحد الأحياء البعيدة من بغداد، حيث الأزقة الضيقة والبيوت القديمة، كانت تعيش امرأة عجوز اشتهرت بين أهل السوء بالأعمال المحرمة والشعوذة. ذهبت إليها دُرّة بعد منتصف الليل، متنكرة في عباءة سوداء، وطرقت الباب ثلاث طرقات. فُتح الباب، وظهرت العجوز بعينين غائرتين. — من أنتِ، وماذا تريدين في هذه الساعة؟

قالت دُرّة: — أريد أمرًا لا يقدر عليه أحد سواكِ. تأملتها العجوز من رأسها إلى قدميها، ثم ابتسمت ابتسامة غامضة. — ادخلي، ولكن اعلمي أن من يطلب الشر لغيره قد يعود الشر عليه. دخلت دُرّة وجلست أمامها، ثم أخرجت كيسًا من الدنانير الذهبية ووضعته فوق الطاولة. قالت: — أريد قلب رجل. أريده أن ينسى زوجته، وأن ينفر من أولاده، وألا يرى في الدنيا امرأة سواي. تغير وجه العجوز وقالت: — أتعلمين ما تطلبين؟

هذا رجل له زوجة وأولاد وبيت عامر، وأنتِ تريدين هدم كل ذلك؟ ضحكت دُرّة وقالت: — لا تحدثيني عن الحلال والحرام. خذي الذهب، وأعطيني ما جئت من أجله. اقتربت العجوز منها وهمست: — المال لا يشتري كل شيء، يا فتاة، وبعض الأبواب إذا فُتحت لا تُغلق كما كانت. فقالت دُرّة بحدة: — افتحي الباب الذي أريده، ولكِ ضعف هذا الذهب! نظرت العجوز إلى الدنانير طويلًا، ثم سحبت الكيس نحوها.

— اذهبي الآن، وسأخبرك حين يحين الوقت. خرجت دُرّة وقد ظنت أنها أمسكت بمفتاح السعادة، ولم تكن تعلم أنها وضعت قدمها على طريق قد ينتهي بهلاكها. وبعد أيام، عاد مراد من رحلة تجارية طويلة، وكان قد اشترى لأولاده ألعابًا صغيرة، ولزينب ثوبًا من الحرير. لكن ما إن دخل القصر حتى شعر بصداع شديد، وكأن رأسه قد امتلأ بالنــ,,ـــــار. نادته زينب بفرح: — حمدًا لله على سلامتك يا زوجي! لقد اشتقنا إليك كثيرًا.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
dd

dodo dodo ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
283مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة