بعد 40 سنة جواز، قاعدة في مكتب المحامي ج3

نُشر منذ 18 ساعة
حفظ
غلاف المقال

بعد 40 سنه جواز بقلم نور محمد ٣ سناء سقطت على ركبتيها على الأرض كالج\ثة الهامدة، تنظر حولها بهلع وأصابعها ترتجف برعب، بينما محمود أمسك برأسه وهو يصرخ: “خراب ديار! قضايا وحجز وإزالة؟! يارتني ما س…


بعد 40 سنه جواز بقلم نور محمد ٣

سناء سقطت على ركبتيها على الأرض كالج\ثة الهامدة، تنظر حولها بهلع وأصابعها ترتجف برعب، بينما محمود أمسك برأسه وهو يصرخ: “خراب ديار! قضايا وحجز وإزالة؟! يارتني ما سمعت كلامك يا سناء يا شؤم!” ونهى ابنتي انهارت تماماً، جلست على الأرض عند قدمي، وبدأت تبكي بهستيريا وتلصق جبهتها بحذائي: “ماما.. سامحيني يا ماما! والله العظيم سناء هي اللي وسوست في دماغي وقالتلي أمك هتكتب الورث لأخوالك!

أنا بنتك يا ماما.. قطيعة من لحمك، متحرمنيش من رضاكي وتضيعيني!” وحسن.. ابني الوحيد، كان يقف ووجهه يميل إلى السواد، دموعه تسيل على لحيته، ركع أمامي ورفع يديه يترجاني بصوت مكسور ذليل: “أنا غبي يا أمي.. الشيطان عماني! الفلوس طيرت عقلي وخليتني أشك في أعظم ست في الدنيا! ابوس رجلك يا أمي متسيبينيش للديون والسجــ,,ـــــن.. أنقذيني عشان خاطر بابا مختار!” نظرت إليهما طويلاً.

. نظرت إلى حسن، وإلى نهى، وإلى سناء ومحمود. كان في إمكاني في تلك اللحظة أن أصرخ، أن أشتم، أن أنتقم وأطرد الكل للشارع ولأقسام الشرطة كما فعلوا معي منذ دقائق حين ألقوا ملابسي في أكياس القمامة. لكنني نظرت إلى صورة مختار المعلقة في صدـ,,ـــر الصالة، وتذكرت أربعين سنة من الشرف والأصل الطيب. المرأة الأصيلة لا تتحول إلى وحش حين تنتصر، ولا تتخلى عن إنسانيتها في لحظة القوة.

أشرت للضابط بهدوء وقلت له: “سيادة الرائد.. اتفضل حضرتك حرر محضر إثبات حالة بالكسر والسرقة اللي ارتكبوها محمود وسناء في أوضة نومي، والمسروقات الذهبية أهي واقعة على الأرض تحت رجلين سناء.” صرخت سناء رعباً وأمسك بها أمين الشرطة، بينما توسل محمود وهو يبكي كالطفل الصغير، فاقتادتهما الشرطة مكلبشين إلى سيارة الترحيلات ليواجها مصيرهما في قضايا التعدي والسرقة، وليتحملا الديون وقرارات الإزالة التي خلفها طمعهما الأعمى.

أما حسن ونهى.. فقد التفتت إليهما، ونزلت بمستواي ونظرت في عينيهما الدامعتين. نزعت يدي من بين أيديهما برفق ولكن بحسم لا رجعة فيه، وقلت كلمات وزنت بميزان الذهب والألم:”قوموا من على الأرض يا ولاد مختار.. قوموا وقفوا على حيلكم. أنا مش هسيبك تتسجــ,,ـــــن يا حسن.. هدفع ديون الشركة من فلوسي اللي سابهالي أبوكم، وهقفل ملفات القضايا.. ومش هسيب ولادك يا نهى يمدوا إيديهم للناس..

بس اسمعوا الكلمتين دول وافهموهم كويس أوي: أنا هدفع الفلوس دي تمن للبن اللي رضعتهولكم، وتمن للسهر والتعب اللي قضيته في تربيتكم.. مش عشان تستاهلوا.. لأ، عشان خاطر روح مختار ترتاح في تربتها وعشان اسم عيلته يفضل نضيف! لكن من اللحظة دي.. الڤيلا دي بابها مقفول في وشكم. مفتاح الباب ده مش هيدخل جيب حد فيكم، والجنيه اللي هيخرج من حسابي هيبقى مساعدة لوجه الله، مش ميراث تتبجحوا بيه!

أنتوا بعتوا أمكم برخيص عشان شوية ورق.. وخسرتوا أغلى كنز في الدنيا: رضا الأم وسندها! روحوا عيشوا في بيوتكم، واشتغلوا بشقاكم، واتعلموا إزاي القرش بييجي بالتعب، ولما تحسوا بقيمة التراب اللي بتمشوا عليه، ابقوا دوروا على أمكم.. لو كان في العمر بقية!” أشرت لهما نحو الباب.. فخرجا يجران أذيال الخيبة والندم، يبكيان بكاء من أضاع الجنة بملء إرادته. أغلقت باب الڤيلا بيدي.

طلبت من عم إدريس أن ينظف الصالة، وأعدت مصاحفي وسجاجيد صلاتي إلى مكانها، وفتحت النوافذ لتدخل شمس الأصيل الدافئة وتطرد كل رائحة للغدر والغل من أرجاء البيت. جلست على مقعد مختار المفضل في شرفة الحديقة، أحتسي فنجان قهوتي في هدوء تام، والخطاب الموضوع على حجري يفيض بعبير الوفاء والحب الحقيقي.

ومن قلب تلك التجربة القاسية التي صهرت قلبي وأعادت صياغة حياتي في خريف العمر، أضع بين يدي كل من يقرأ حكايتي خمس حكم عظيمة لعلها تكون نوراً وعبرة: رضا الوالدين هو الكنز الحقيقي الذي لا يعوضه مال الأرض: مهما بلغت الملايين ومهما تزيّنت الدنيا بزخرفها، فإن رضا الأم والأب هو الحصن المنيع والبركة الحقيقية في الرزق والعمر.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
dd

dodo dodo ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
268مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة