حاجات بسيطة… بس كنت حاسة إنها جديدة علينا. وفي طريق الرجوع، وهو سايق، قال فجأة: — فاكرة أول مرة خرجنا فيها؟ ضحكت رغم نفسي: — لما العربية عطلت بينا في الطريق الصحراوي؟ ابتسم: — وفضلنا نضحك ساعتين بدل ما نزعل. بصيت من الشباك وأنا حاسة بوجع حلو في قلبي: — إحنا كنا حلوين يا محمود. قال بهدوء: — لسه ممكن نكون… لو حاولنا.
رجعنا البيت، وهو دخل الأوضة اللي نام فيها لوحده سنين طويلة… وقف شوية… وبعدين خرج شايل مخدته. قال بتردد: — الأوضة الكبيرة… لسه فيها مكان؟ قلبي دق جامد، بس قلت بهدوء: — آه… فيها. ليلتها، نمنا في نفس الأوضة لأول مرة بعد ١٨ سنة. مش جنب بعض قوي… ولا فيه لمسة… بس ما كانش فيه جدار بينا.
وأنا مغمضة عيني، سمعته يهمس في الضلمة: — سعاد… أنا سامحتك من زمان… بس كنت محتاج أسامح نفسي الأول. دموعي نزلت في سكون الليل. يمكن ما نقدرش نرجّع اللي ضاع… بس يمكن نقدر نلحق اللي فاضل. واللي فاضل… كان لسه ممكن يبقى عمر. الأيام اللي بعدها كانت غريبة علينا إحنا الاتنين… زي اتنين بيتعلموا يعيشوا مع بعض من الأول.
أحمد جه زارنا، وكان مستغرب الهدوء اللي في البيت. زمان كان دايمًا يحس بتوتر مكتوم، حتى لو إحنا ساكتين. في يوم وهو قاعد معانا على السفرة، بص لنا وقال ضاحك: — مالكم؟ متصالحين ولا إيه؟ أنا ومحمود بصّينا لبعض واتحرجنا زي العيال. محمود قال بهدوء: — بنحاول نعيش عادي يا ابني. أحمد ابتسم: — أخيرًا. بعد ما دخل ينام، قلت لمحمود: — هو كان حاسس؟
تنهد وقال: — العيال بتحس بكل حاجة… حتى لو ما بنقولش. عدّى شهر، وصحتي بدأت تتحسن مع العلاج. بس في ليلة، صحيت على صوت محمود بيتألم. قمت مفزوعة: — مالك؟ كان قاعد على طرف السرير ماسك صدره وعرقان. نزلت بيه المستشفى وأنا مرعوبة… كل الأفكار السودا رجعت. فكرة إني ممكن أخسره بعد ما بدأنا نرجع لبعض كانت خانقة. الدكتور قال بعدها بساعتين: — جلطة بسيطة… الحمد لله لحقتوه بدري.
قعدت جنبه في أوضة المستشفى، ماسكة إيده زي ما هو مسك إيدي من ١٨ سنة. فتح عينه، وبصلي بتعب: — شكلك اتخضيتي. دموعي نزلت: — خفت تسيبني قبل ما نعيش يومين عدل. ابتسم بصعوبة: — إحنا ضيعنا وقت كتير… مش عايز أضيّع الباقي. قربت الكرسي منه، وقلت: — ولا أنا. مسك إيدي لأول مرة من سنين من غير تردد… ولأول مرة ما كانش في بينا ماضي واقف في النص.
خرجنا من المستشفى أهدى… أهدى بكتير. وبدأنا نعمل حاجات بسيطة: نتمشى بعد المغرب، نروح نزور قرايب، نتفرج على فيلم سوا، نتخانق خناقات صغيرة عادية بدل الصمت الطويل. وفي يوم، وأنا بحضر الغدا، محمود وقف ورايا وقال: — فاكرة الدكتورة قالت إيه يوم ما عرفتي موضوع العملية؟ قلت: — قالت أرجع أكلم جوزي. ابتسم وقال: — كويس إنك رجعتي. لفّيت ناحيته وقلت: — كويس إنك كنت لسه مستنيني… حتى وإنت زعلان.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.