لكن قبلها بيوم، أمينة جت لها وهي بتبكي، وابنها الصغير كان تعبان جدًا، والدكتور طلب فلوس عشان يعمل له عملية مستعجلة. أمك مكنش معاها غير الفلوس اللي كانت محوشاها لمصاريف الشهر، وكانت مبلغها كله تقريبًا في حساب الجمعية الخيرية اللي بتساعد منها الناس. سحبت اللي قدرت عليه، وبعتت لأمينة الفلوس عشان تلحق ابنها. ولما جه معاد زيارتك، ملقتش معاها غير العيش اللي كان عندها والجبنة القديمة.
كانت فاكرة إنكم هتتعشوا بره أو هتطلبوا أكل، وإنك مش هتحكم عليها من وجبة واحدة. لكنها مكنتش تعرف إن الوجبة دي هتكون آخر حاجة تشوفها منك. حسيت إن حد ضــ,,ـــــربني على صدـ,,ـــري، وصرخت يا نهار أسود! يعني أمي باعت أكلها عشان تنقذ طفل، وأنا اتهمتها بالبخل؟! ! عم رجب هز راسه بحزن وقال مش بس كده يا علي.
أمك كانت ممكن تستلف مني وتجيب أكل يليق بضيوفك، لكن رفضت. قالتلي إنها مش عايزة تستلف عشان مظهرها قدام الناس، وإن ربنا عارف نيتها. كانت فاكرة إنك هتفهمها، وإنك هتقعد جنبها وتسمع منها، لكنها كانت غلطانة في حاجة واحدة. بصيتله بلهفة إيه هي؟ قال كانت فاكرة إنك مهما زعلت منها، مش هتقدر تقاطع أمك.
الكلام ده نزل عليا زي السكــ,,ـــــينة. أنا اللي كنت فاكر إني بعاقبها، طلعت بعاقب نفسي، وأنا اللي حرمت نفسي من صوتها وحنانها. رجعت للجواب تاني، وكملت قراية. يا علي، أنا مش زعلانة منك عشان زع. ي، ولا عشان اتهمتني بالبخل. أنا زعلانة عشان إنت مشيت من بيتي وأنا كنت لسه عايزة أحــ,,ـــــضنك. كنت كل يوم أجهز الموبايل وأبص على صورتك، وأقول يمكن النهارده يرن.
ولما حد يخبط على الباب، قلبي كان يدق وأفتكر إنك رجعت. كنت بقول للناس إنك مشغول، وإن شغلك واخدك، وإنك أكيد هتكلمني لما تفضى. مكنتش عايزة حد يقول عليك إنك نسيت أمك. ولو إنت زعلان مني، أنا مسامحاك يا ابني قبل ما تطلب السماح. بس عايزاك توعدني إنك متسيبش العيال اللي كنت بساعدهم يضيعوا. مش عشان خاطري، لكن عشان هما ملهمش ذنب في أي حاجة.
وخلي بالك من نفسك، وكل كويس، ومتنساش إنك مهما كبرت هتفضل ابني اللي كنت بغطّيه بالبطانية لما ينام. أمك اللي بتحبك، روحية. خلصت الجواب، وحطيته على صدـ,,ـــري، وفضلت أعيط زي الطفل. كنت بصرخ وأقول سامحيني يا أمي! والله ما كنت أعرف! سامحيني يا أمي! بس المكان كان هادي، ومفيش صوت بيرد عليا.
فضلت قاعد جنبها لحد المغرب، لحد ما عم رجب قاللي قوم يا ابني، ادعيلها. ربنا أرحم بيها مننا كلنا. رجعت البيت القديم، وكنت حاسس إني داخل مكان غريب، مع إن كل ركن فيه كان مليان ذكريات. دخلت أوضتها، لقيت هدومها مترتبة، ونضارتها جنب السر,,ـــــير، وعلبة الدوا فوق الكومودينو. فتحت الدولاب، لقيت هدوم كتير قديمة وعبايات كانت بتلبسها من سنين. مكنش عندها لبس جديد تقريبًا، رغم الفلوس اللي كنت ببعتها. وفوق الرف لقيت علبة صفيح صغيرة.
فتحتها، لقيت صورتي وأنا طفل، وشهادة تخرجي، وصورة ليا يوم ما سافرت، وتذكرة قديمة كانت محتفظة بيها من يوم ما وعدتها إني هرجع لها. وتحت الصور لقيت ورقة مكتوب فيها بخطها: علي وعدني إنه هيرجع، وأنا مستنياه. وقعت على ركبتي، وفضلت أبوس الورقة وأعيط. في اللحظة دي، عرفت إن الفلوس اللي كنت ببعتها مش هي اللي كانت بتسعد أمي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.