رفعت البيضة لمستوى وشها، وبحركة هادية باردة تخلع القلب، غرست سن الإبرة في قشرة البيضة وخرمتها من فوق، وبدأت تلف الإبرة جواها وهي عينها لسه في الكاميرا، وبتتحرك شفايفها بتمتمة سريعة مش مسموعة. وفجأة.. ضغطت على البيضة بكل قوتها بين صوابعها! القشرة اتفرتكت في قبــ,,ـــــضة إيدها، بس اللي نزل وسال على صوابعها مكانش زلال أبيض وصفار بيض نيء زي ما أي عقل يتخيل.
. اللي نزل كان سائل أسود تقيل ولزج زي القطران، نازل منه ريحة كنت حاسة إني شماها من ورا الشاشة من كتر بشاعة المنظر! ومن وسط القشر المتكسر والسائل الأسود، شدت نجلاء بإبرتها خصلة شعر طويلة، مربوطة بخيط صوف أحمر ومعقودة كذا عقدة.. وفي طرف العقدة كان مشبوك فيها حتة قماش صغيرة مقصوصة، لونها بيج منقوش بورود زرقا! الدم هرب من نافوخي في ثانية، وحسيت بركبي سابت والأرض بتلف بيا. حتة القماش دي.
. ده كان طرف البيجامة بتاعتي! البيجامة اللي كنت لابساها أول يوم دخلت فيه نجلاء بيتي تشرب معايا الشاي عشان نتعرف! البيجامة اللي دورت عليها في الدولاب من أسبوع وملقيتهاش وقولت لنفسي يمكن ضاعت في الغسيل! “عرفتي مكاني.. بس متأخر أوي يا ياسمين.. متأخر أوي!” لفت ضهرها واختفت في ضلمة مدخل بيتهم بخطوات سريعة وسلسة كأنها طيف شيطاني انشق من الأرض ورجع ليها. الموبايل وقع من إيدي على سجادة الصالة بصوت مكتوم.
فضلت واقفة مكاني في نص الصالة، الضلمة حواليا خانقة، ونَفَسي طالع نازل بصعوبة زي الغريق اللي بيصارع الموج. سناني كانت بتصطك في بعضها برعشة هستيرية، وإحساس حاصرني من كل اتجاه. هي عرفت مكاني إزاي؟ الكاميرا دي أنا مركباها بنفسي العصر لما كانت هي في مشوار برة، خفيتها بين أغصان شجرة الليمون العالية، ولا جوزها ولا أي مخلوق كان ممكن يلمحها! وإزاي عرفت إني بتفرج عليها دلوقتي حالا؟
والأهم من ده كله.. البيجامة بتاعتي، وشعري.. والبيض النيء الأسود.. والست حبات بيض التانيين اللي دفــ,,ـــــنتهم في الأيام اللي فاتت على طول الخط الفاصل بين جنينتي وجنينتها؟! جريت على باب الشقة، اتأكدت إنه مقفول بالمفتاح والترباس، وجريت على شباك الصالة قفلت الشيش ورزعت الإزاز، وأنا بتلفت ورايا في كل ركن كأن في حد مستخبي في ضهري وهيطلع يمسكني من رقبتي.
الشقة اللي كنت بعيش فيها لوحدي بأمان وسلام بعد وفــ,,ـــــاه والدتي، اتحولت في ثواني لبيت مسكون ، وكل زاوية فيها بقت بتنطق بالخوف. قعدت على الأرض ساندة ضهري على الحيطة، حاطة إيدي على راسي وعقلي بيصرخ من كتر الأسئلة. أنا مهندسة ديكور، عمري 28 سنة، عمري في حياتي ما آمنت بالدجل ولا الأعمال ولا الخرافات، ودايماً كنت بتريق على الناس اللي بتقول “سحر معمول في بيضة” أو “عمل مدفون في تراب”.
. بس اللي شفته بعيني، والدم الأسود اللي سال في كف إيدها، والبيجامة اللي اتسرقت من دولاب أوضة نومي، مكنش خرافة.. ده كان واقع بيطبق على أنفاسي. الساعة كانت بقت 6 الصبح، وخيوط الشمس الأولى بدأت تكسر عتمة السما ورمت ضوء رمادي باهت على شبابيك البيت. قولت لنفسي بصوت عالي وأنا بفرك إيديا المرتجفة: “مش هفضل مستخبية هنا زي الفارة المذعورة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.