سمعت صوت نفس طويل طالع من جنبي.. سناء مرات أخوه. ملامحها فجأة هديت، وابتسمت ابتسامة صفرا، وحطت إيدها على كتفي وقالتلي بصوت كله تمثيل وشماتة: “يا حبيبتي يا صفية، محدش بيتهمك بحاجة.. عموماً إنتي متقلقيش، أوضة بنتي اللي اتجوزت فاضية، هاتي هدومك وتعالي عيشي معايا أنا ومحمود لحد ما نشوف صرفة فيكي، أحسن ما تقعدي لوحدك في الڤيلا الكبيرة دي”.
رغم صدمتي رديت بكرامة: “أنا هفضل في بيتي معززة مكرمة”. ردت ببرود: “بيت إيه بس.. ما المحامي بيقولك الڤيلا بقت بتاعة الولاد!”. ولادي بدأوا يتجادلوا بصوت عالي إزاي هيبيعوا الڤيلا ويقسموها، ومحمود بيحسب أرباح المحلات.. وأنا قاعدة زي الصنم، بسمع الناس اللي ربيتهم بيقرروا مستقبلي وكأني كرسي ملوش لازمة في الأوضة. فجأة، الأستاذ كمال المحامي خبط على المكتب بحسم وقال: “لو سمحتوا.
. الاجتماع انتهى، اتفضلوا كلكم بره”. الكل بدأ يقوم ويخرج، سناء ططبطت عليا باستهزاء وخرجت وراهم. جيت أقف عشان أمشي، المحامي قالي بصوت واطي: “مدام صفية.. خليكي مكانك”. وقفت مكاني لحد ما باب المكتب اتقفل علينا. المحامي قام من على كرسيه، فتح درج مكتبه وطلع ظرف أصفر مقفول بالشمع الأحمر، وحطه في إيدي بحذر وقال: “في الحقيقة يا مدام صفية.. مختار بيه مسابكيش على الحديدة.
. هو سابلك ده، ووصاني أديهولك في السر، أول ما عيلتك تخرج من الباب”.قلبي بدأ يدق بجنون. مسكت الظرف وفتحت الشمع المكسور، وطلعت الورقة. كان خط مختار وجنبه إمضته. بس أول سطر قرأته خلى الدم يهرب من وشي، وجسمي كله يتنفض. كان كاتب: “يا صفية.. الوصية اللي سمعتيها دي كانت خطتي عشان أكشفهم وأحميكي منهم.. ودلوقتي، جه الوقت اللي لازم تعرفي فيه الحقيقة المرعبة اللي خبيتها عنك الكام شهر اللي فاتوا…!
!!!” #الكاتبة_نور_محمد في تلك اللحظة التي قرأت فيها ذلك السطر الأول، شعرت وكأن قلبي توقف عن النبض لثوانٍ، وتجمدت الدماء في عروقي. كانت يدي ترتعش كورقة شجر في مهب ريح عاتية، وحروف مختار المكتوبة بحبره الأزرق المعتاد وخطه الرقعي المميز كانت تقفز أمام عيني، تنبض بحياة غريبة كأنه يجلس أمامي الآن، ينظر في عيني بنفس نظرته الثاقبة الحنونة التي عرفتها لأربعين عاماً.
الأستاذ كمال المحامي كان واقفاً عند نافذة المكتب الكبيرة، يدخن سيجارته في صمت مطبق، تاركاً لي المساحة لأستوعب الصدمة. أغمضت عيني، وأخذت نفساً عميقاً ارتعشت معه أضلعي، ثم قربت الورقة إلى عيني وبدأت أقرأ ما خطه رفيق عمري قبل أن يفارق الدنيا: ”صفية.. يا رفيقة الدرب، ونور العين، والست الوحيدة اللي شالتني على كفوف الراحة أربعين سنة.. لو بتقرأي الجواب ده دلوقتي، يبقى كمال طرد الكل وقفل الباب، ويبقى توقعي طلع في محله بالحرف.
. ولادنا خذلوكي، وأخويا ساب دمي ورا ضهره، وسناء وقفت تتشفى فيكي. عارف يا صفية إن الس\كينة دبحك، وإن قسوة الوصية اللي سمعتيها من شوية شقت قلبك نصين، وخليتك تشكي في حب عمري ليكي.. بس كان لازم أعمل المسرحية دي، مكنش قدامي غيرها عشان أحميكي من غدر كان هيطحنك بعد ما أمــ,,ـــــوت، وعشان أفرز القلوب وأوريكي مين اللي يستاهل ضفرك، ومين اللي كان مستني جثماني ينزل القبــ,,ـــــر عشان ينهش في لحمك!
الحكاية بدأت من تلات شهور يا صفية.. فاكرة لما تعبت فجأة ودخلت العناية المركزة أسبوع ورجعت البيت نايم مش قادر أتحرك؟ في اليومين دول، الكل افتكر إني خلاص غيبت عن الوعي ومبقتش حاسس بالدنيا.. بس الحقيقة إني كنت سامع كل نفس بيدخل ويخرج في الأوضة! في ليلة جمعة، كنت نايم ومغمض عيني، وسناء دخلت الأوضة تتسحب زي الحية، ومعاها محمود أخويا، وابني حسن!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.