الصبح يوم جنازة أبويا

نُشر منذ 20 ساعة
حفظ
غلاف المقال

وفجأة سألني يا زينب… إنتي واثقة في كل اللي حواليكي؟ يومها ضحكت وقولتله إيه السؤال الغريب ده يا بابا؟ بس هو مضحكش، فضل باصص لكوباية الشاي اللي في إيده فترة، وبعدين قال ساعات الخطر مبيجيش من الغريب… ده بيجي من الناس اللي بتدخل بيوتنا وتاكل معانا على طبلية واحدة. استغربت كلامه وسألته يقصد إيه، بس هو غيّر الموضوع بسرعة ودخل في حوار تاني.

ولما جيت أمشي، مسك إيدي وضغط عليها جامد وقالي لو حصلي أي حاجة فجأة… إياكي تتسرعي في أي قرار. بصيتله باستغراب قصدك إيه يا بابا؟ اكتفى إنه يبصلي وقالي بهدوء خلي كلامي ده حلقة في ودنك وبس. وقتها افتكرت إن كلامه ده من التعب أو كبر السن. لكن دلوقتي، وأنا واقفة برة أوضة التغسيل، وسامعة المُغسل بيتكلم عن إيده المكلبشة، وشايفة جوزي بيبص في ساعته كل دقيقتين وعرقان… اتأكدت إن أبويا كان بيحذرني من حاجة.

حاجة بدأت من زمان. حاجة مكنتش فاهماها لسه. بس مكنتش أعرف إن التحذير ده هيكون أول خيط يوصلني للحقيقة… الحقيقة اللي خلتني، بعد كام يوم بس، أروح بنفسي للنيابة وأطلب فتح تحقيق رسمي في موت أبويا. المواجهة في غرفة الغُسل لم أشعر بنفسيإلا وأنا أمد يدي لأدفع الباب الخشبي الموارب بقوة. دخلت غرفة الغُسل وسط شهقات النساء بالخارج.

رائحة الكافور والمسك كانت تملأ المكان وتخنق أنفاسي، لكن عيني لم ترَ سوى جسد أبي المُسجى على الدكة المعدنية، وسعد جوزي اللي واقف عند راسه وشه أبيض زي الشمع. بتعملي إيه يا زينب؟ اطلعي برة ميصحش كده! صرخ سعد بصوت مهزوز وهو بيحاول يداري جسم أبويا بجسمه. بس أنا مسمعتلوش. عيني كانت متثبتة على إيد أبويا اليمين اللي مقفولة زي الحجر.

اتدخل عمي محمود أخو أبويا الكبير وحط إيده على كتف سعد وقاله سيبها يا سعد.. سيبها تودع أبوها، دي بنته الوحيدة. قربت من المُغسل اللي كان واقف محتار، وقولتله بصوت ميت مفيهوش أي مشاعر افتح إيده يا شيخ.. لازم نعرف ماسك إيه. سعد حاول يتدخل تاني وهو بيعرق يا جماعة إكرام الميت دفنه، بلاش نعذب الراجل في غُسله! بس المُغسل متكلمش.

جاب مية دافية وبدأ يصبها بالراحة على إيد أبويا، وبدأ يدلك العروق والمفاصل عشان يفك التيبس. الدقايق كانت بتمر كأنها سنين. سعد كان بيتنفس بصعوبة، وعينيه رايحة جاية بين إيد أبويا وبيني. وفجأة.. صوابع أبويا بدأت ترتخي. وبحركة بطيئة، اتفتحت القبضة. كل اللي في الأوضة حبسوا أنفاسهم، بس أنا قلبي هو اللي وقف. وقع من إيد أبويا على الترابيزة المعدن حاجة صغيرة عملت صوت رنة مكتومة. خاتم فضة رجالي.. وحتة قماشة كحلي صغيرة مقطوعة.

مديت إيدي بسرعة البرق، وقبل ما حد يركز في اللي وقع، أخدتهم في كف إيدي وقبضت عليهم جامد. لفيت وشي لسعد اللي كان بيبصلي برعب، وقولتله وأنا ببلع ريقي المُر دي سُبحته.. كان دايماً يسبح عليها قبل ما ينام. سعد أخد نَفَس طويل كأنه كان بيغرق وطلع لسطح المية، وعمي محمود مسح على راسي وقالي ادعيله يا بنتي.

. اطلعي بقى عشان يكملوا تجهيزه. طلعت من الأوضة، وأنا حاسة إن رجليا مش شيلاني. الخاتم اللي في إيدي كان بيحرقني كأنه جمرة نار. أنا عارفة الخاتم ده كويس.. ده الخاتم الفضة اللي أنا شخصياً هاديته لسعد في عيد جوازنا الأخير، الخاتم اللي كان دايماً في إيده اليمين.. الإيد اللي سعد كان حاططها في جيبه طول الصبح ومطلعهاش! وحتة القماشة الكحلي..

كانت من نفس قماشة البيجامة اللي سعد كان لابسها إمبارح بالليل قبل ما يقولي إنه هينزل يقعد على القهوة شوية. الهدوء الذي يسبق العاصفة الجنازة عدت كأنها حلم كابوس. مشينا ورا النعش، وسعد كان متصدر المشهد. كان بياخد العزا، ويبكي، ويمسح دموعه قدام الناس كلها، وكأنه هو الابن المكلوم مش جوز البنت. كنت قاعدة في سرادق العزا بتاع الستات، عيني مابتنزلش من عليه.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
dd

dodo dodo ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
268مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة