كنت أسرق طعام زميلي الفقير كل يوم

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

في تلك اللحظة شعرت بصغر نفسي كما لم أشعر من قبل. مرت أيام ثم أسابيع. بدأت أترك له جزءا من طعامي كل يوم دون استعراض. لا أمام الناس ولا طلبا للغفران. فقط لأن ذلك صار طبيعيا. وفي أحد أيام الجمعة جمعت شجاعتي وسألته إن كان بإمكاني زيارة أمه. تردد قليلا ثم وافق. ذهبنا معا بعد المدرسة إلى حي لم تطأه قدماي من قبل. شوارع ضيقة بيوت متقاربة وروائح طعام بسيطة تختلط برائحة التعب.

استقبلتنا امرأة نحيلة يداها خشنتان من العمل لكن عينيها كانتا دافئتين بشكل أربكني. ابتسمت لي ابتسامة صادقة تلك الابتسامة التي لا تصنع ولا تدرب. قالت تفضل البيت بيتك. حين قدمت لي فنجان قهوة أدركت أنها على الأرجح آخر ما تملكه من شيء ساخن في ذلك اليوم. جلست هناك أحتسي القهوة وأستمع إلى حديثها عن العمل وعن التعب وعن خۏفها الوحيد أن يكبر ابنها وهو يشعر بالنقص.

لم تتذمر. لم تشتك. كانت تحكي وكأن الټضحية أمر عادي. وحين نظرت إلي وقالت توماس طيب أرجو ألا يؤذيه أحد شعرت بأن الكلمات موجهة إلي مباشرة. في تلك الليلة عدت إلى قصرنا الكبير. لكنه للمرة الأولى بدا لي أصغر من أي وقت مضى كأن الجدران العالية انكمشت وكأن المساحات الواسعة فقدت قدرتها على إبهاري.

كان الصمت يملأ المكان لا صمت الراحة بل صمت الفراغ ذلك الصمت الذي لا يجاوبه صوت قلب أو دفء إنسان. مررت في الممرات الطويلة التي طالما ركضت فيها طفلا فلم أسمع سوى وقع خطواتي. لا ضحكات لا أسئلة لا أحد ينتظرني عند الباب. دخلت غرفتي وأغلقت الباب خلفي ببطء كأنني أخشى أن أزعج شيئا نائما في داخلي. جلست على طرف السر,,ـــــير وأخذت أتأمل ملابسي المعلقة بعناية تلك التي تحمل أسماء لامعة وألوانا باهظة الثمن.

نظرت إلى حذائي الجديد إلى ساعتي إلى هاتفي الذي لا يفارق يدي. كل ما كنت أظنه يوما ثروة بدا لي فجأة بلا روح بلا معنى كأشياء جميلة لكنها صامتة لا تمسك يدك حين تسقط ولا تسأل عنك حين تتألم. لم أر في تلك الأشياء شيئا يشبه ما رأيته في ذلك البيت الصغير. ذلك البيت الذي ضاق بجدرانه لكنه اتسع بقلب يتسع للجوع والحب معا.

بيت لم يملك الكثير لكنه امتلك ما لم أعرفه أنا طوال حياتي الټضحية. عندها فقط فهمت أخيرا ما لم يعلمني إياه أحد. لا في المدرسة حيث تلقى الدروس كقواعد جافة ولا في البيت حيث كان كل شيء متوفرا إلا الإصغاء ولا في الخطب الطويلة عن القيم والأخلاق التي تقال بسهولة ولا تعاش.

فهمت أن الغنى ليس ما تملكه في خزانتك من ملابس ولا ما تحمله في جيبك من مال ولا ما يلمع في معصمك أو في جيبك الخلفي من رموز يظنها الناس قيمة. الغنى هو ما تستطيع أن تتخلى عنه دون أن تخسر نفسك وما تستطيع أن تعطيه دون أن تشعر بأنك تنتزع من داخلك قطعة وما تقدمه لأنك إنسان قبل أن تكون صاحب فضل.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
dd

dodo dodo ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
268مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة