لمدة أربعة وتلاتين سنة، كنت بقنع نفسي وبقول على الست دي إنها بس شديدة شوية. بتحب تحكم وتمشي كلمتها؟ أيوة. مسيطرة وبتحب تكون الكل في الكل؟ أيوة. بس كنت دايما بضحك على نفسي وأقول إنها أصيلة ومن جواها بيضا. كانت دايما تقنعني إن القسوة دي صراحة، وإن التربية الصح محتاجة عين حمرا وشدة. وكنت بصدقها، لأن العيال الصغيرة دايما بتصدق الوحوش، بالذات لما الوحوش دي تغطيهم بالليل وهما نايمين وتطبطب عليهم.
بس دلوقتي، في اللحظة دي، أنا شفت الوحش عريان قدامي، شفت الأنانية والغل من غير أي ماسكات. سألتها بصوت مكتوم بيحاول يسيطر على غضب الدنيا كله، إنتي اللي غصبتيها تطبخ وتعمل الأكل ده كله وهي في الحالة دي؟ أمي مسحت بوقها بالمنديل بمنتهى البرود ولا كأن في كارثة حواليها، أنا مغصبتش حد يا حبيبي. أنا بس قلتلها نفسي في محشي وحتة فرخة بلدي، وهي اللي عرضت وقالت من عينيا يا حماتي هعملكم لقمة تاكلوها.
صوابع سلمى اتشدت على إيدي بضعف شديد، وهمست بصوت يادوب مسموع، لأ.. بتكدب.. قالتلي لو معملتيش الأكل هخلي محمود يتجوز عليكي. عين أمي وسعت وبقت حادة زي السكــ,,ـــــينة، وقامت وقفت وزعقت، كان لازم تتعلم وتتجرر في شغل البيت! إنت اللي مدلعها ومبوظها ومخلي كلمتها تطلع. الشقة تض. رب يقلب، والواد عمال يزن ليل نهار، وهي فاكرة إن قلة النوم حجة عشان تقصر في بيتها وجوزها وحماتها!
قمت وقفت ببطء.. محمود القديم اللي بيسمع الكلام وبيطاطي راسه مات في اللحظة دي، ومحمود الجديد جاب آخره. أمي ضحكت باستهزاء وبجاحة، ولوت بوزها، بلاش هبل وجنان عيال يا واد! ده بيت ابني، وهي اللي تلم هدومها وتغور في داهية لو مش عاجبها. لفيت وشي وبصيت لها، بهدوء مرعب، هدوء يخوفني أنا شخصيا من نفسي، لأ يا أمي.
. ده بيتي أنا، اللي دافع فيه دم قلبي.. ودي مراتي.. وده ابني.. اتفضلي إنتي بره الشقة دي حالا، وياريت متدخليش هنا تاني. ابتسامتها السمجة اتهزت، ووشها جاب ألوان، وملامحها اتغيرت للصدمة. شلت سلمى بين إيديا، والواد كان مربوط على صدـ,,ـــري في الشيالة، دخلت الأوضة رميت شوية هدوم في شنطة صغيرة بسرعة، وأمي ماشية ورايا في الطرقة لحد باب الشقة، بتزعق وتخبط على صدـ,,ـــرها وتتكلم عن الأصول، والعقوق، وغضب الرب، وقلة رباية الجيل ده اللي بيفضل مراته على أمه.
مردتش عليها بنص كلمة. متكلمتش لأن الكلام مابقاش ليه أي لازمة. خرجت من باب الشقة، وبصيت ورايا بصة واحدة بس. كانت واقفة على الباب، مذهولة.. الست اللي عاشت عمرها كله فاكرة إنها بتملك البيت، وبتملكني، وبتملك أرواحنا معاها. ولأول مرة في حياتها كلها.. كان باين في عينيها الخوف الحقيقي والشك. قفلت الباب، ونزلت بيهم على المستشفى نطمن على سلمى ونعلقلها محاليل، ومنها على أقرب لوكاندة.
. عشان نبدأ من جديد، بعيد عن أي وحش. واجهة اللوكاندة القديمة في وسط البلد كانت بهتانة، حيطانها متقشرة واليافطة بتاعتها نورها أصفر كئيب بيطفي وينور تحت كشافات الشارع، بس بالنسبة لي في اللحظة دي، اللوكاندة دي كانت زي طوق النجاة اللي ظهرلي فجأة في وسط بحر هايج وأنا بأغرق فيه.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.