البنتين فضلوا واقفين ثابتين. ولا واحدة فيهم بكت، لأنهم بكوا كفاية وهم صغيرين. قالت ليلى: — وإنتِ رجعتي دلوقتي ليه فعلًا؟ الأم سكتت. سلمى قالت: — عشان الصفقة والأرض القديمة؟ تنهدت باستسلام. وبعدين قالت: — أيوه. كانت الكلمة قصيرة، لكنها وقعت علينا زي الصاعقة. قالت: — زوجي دخل في مشروع جديد، وبعد ما عرفنا إن فيه حقوق مالية باسم أبوكم وانتقلت ليكم، طلب مني أتواصل معاكو عشان نقدر نحل الموضوع قانونياً.
ليلى ضحكت بمرارة. — “نتواصل” بالشكل ده؟ قالت: — أنا كنت ناوية أصلح كل حاجة بطريقتي. سلمى سألت: — قبل التوقيع ولا بعده؟ الأم ما ردتش. وبكده… كانت جاوبت على كل حاجة. الفصل الثالث — الرسالة اللي اتأخرت 21 سنة عدّى تقريبًا شهر على عيد ميلاد البنتين الواحد والعشرين. الحياة هديت نسبيًا. سلمى كانت بدأت شغلها الجديد، وليلى كانت بتحضر لدراساتها العليا، وأنا بقيت أقضي أغلب وقتي في الجنينة الصغيرة اللي زرعنا فيها الياسمين.
كنت فاكرة إن أصعب حاجة في حياتنا عدت. لكن في يوم، وأنا قاعدة بشرب الشاي، جرس الباب رن. فتحت. لقيت راجل كبير في السن، ماسك شنطة جلد قديمة. قال: — حضرتك والدة المرحوم أحمد؟ أول ما سمعت اسم ابني، قلبي اتقبض. قلت: — أيوه. قال: — أنا كنت محاميه الخاص من سنين. دعيت الراجل يدخل، وقعد قدامي. فضل ساكت شوية، وبعدين فتح الشنطة وطلع منها ظرف كبير، عليه اسم ابني بخط إيده.
قال: — ابنك سلّمني الظرف ده قبل وفـ,ـاته بأيام معدودة. اتجمدت في مكاني. — قبل وفـ,ـاته؟ هز راسه بالإيجاب. — وقال لي مايتفتحش إلا في ظرف واحد. — إيه هو؟ بص لي وقال: — لما بنته يوصلوا سن الواحد وعشرين. حسيت إني مش قادرة آخد نفسي. البنتين كان فاضل على عيد ميلادهم الواحد وعشرين أيام قليلة. قلت له: — طب ليه جيت دلوقتي بالظبط؟
قال: — لأن فيه تطور قانوني حصل بخصوص ممتلكات قديمة، وخفت إن الإجراءات تبدأ قبل موعد فتح الظرف الرسمي. وفي اللحظة دي دخلت سلمى وليلى البيت. وأول ما شافوا الظرف… وشوشهم تغيرت. قالت ليلى: — ده خط بابا واكتُب بخط إيده. المحامي هز راسه. — صحيح. سلمى مدت إيدها ناحية الظرف، لكن الراجل مسكه وقال بلطف: — لسه شوية. قالت بعصبية محبوسة: — ليه؟ — لأن أبوكم كتب تعليمات صارمة.
وطلع ورقة منفصلة وقرأ منها: — «لا يُفتح الظرف إلا بحضور بنتيّ ووالدتي… وإذا كانت والدته على قيد الحياة، تُقرأ الرسالة أمامها أولًا.» بصيت للبنتين، وحس شعور غريب بالرهبة يدخل قلبي. ابني كان عارف إنه ممكن يجرى له حاجة؟ ولا كان مجرد حرص إضافي؟ المحامي كمل كلامه: — وفي شرط تاني مهم. سلمى قالت: — إيه هو؟ رد: — لازم والدتكم البيولوجية تكون على علم بفتح الظرف وتكون حاضرة لو أمكن.
بعد حوالي ساعة، كلمناها في الهاتف. المكالمة كانت قصيرة ومباشرة. ليلى قالت لها: — بابا سايب رسالة رسمية، وهتتفتح قدام المحامي كمان أيام. سكتت أمهم على الطرف التاني بطريقة خوفتني. ثم قالت بصوت مضطرب: — مين قالكم عن الظرف ده؟ سلمى ردت: — محاميه الخاص. جالها نفس طويل، وبعدين قالت بسرعة: — ما تفتحوش أي حاجة من غير ما تتأكدوا. ليلى سألت: — ليه؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.