الأبوة هي الشخص اللي كان موجود لما الطفل خاف، ولما وقع، ولما نجح، ولما فشل.” وقفت. حسيت إن الكلام بيخبط جوايا في مكان مختلف. كملت. “لو ابني غضب منك لأنك خبيت الحقيقة، خليه يغضب. إنت تستحق غضبه أقل مما أستحق أنا. بس أتمنى في يوم يفهم إنك كنت بتحاول تحمي حياته اللي أنا كنت ممكن أخربها.” قفلت الورقة.
سألت أختي: — إنتِ قريتي ده قبل كده؟ قالت: — لأ. أول مرة. قلت: — طب الحساب قيمته كام بالظبط؟ ناولتي الورق. الرقم كان كبير. كبير جدًا بالنسبة لحاجة بدأت بـ”مبلغ صغير كل سنة”. استثمارات سنين طويلة خلت المبلغ يوصل لقيمة تغير حياة عيلة كاملة. لكن الغريب إني مافكرتش في نفسي. أول حاجة جات في دماغي كانت أبويا. الراجل اللي رماني في البحر وأنا صغير عشان يعلمني أعوم، وبعدين نط ورايا لما خفت.
الراجل اللي استناني بره أول مقابلة شغل. الراجل اللي وقف جنبي يوم جوازي. رجعت البيت قبل المغرب. لقيته قاعد على نفس الكرسي. أول ما دخلت، وقف. قال: — عرفت؟ قلت: — عرفت. سكت. مديت له الجواب. — ده ليك. قرأه. وفي نص الكلام، نظارته بدأت تترعش في إيده. لما خلص، قفل الورقة. وقال: — كان لازم أقولك. قلت: — أيوه.
نزل عينه. — خفت أخسرك. قلت: — وأنا زعلان. هز راسه. — من حقك. قربت منه. — بس فيه حاجة إنت مش فاهمها. رفع عينه. قلت: — أنا اكتشفت النهارده مين والدي الحقيقي. وشه اتكسر. قبل ما يبعد، كملت: — هو إنت. فضل يبصلي. قلت: — الراجل التاني أبويا بالدم. — إنما إنت اللي ربيتني. دموعه نزلت. وأول مرة في حياتي أشوف أبويا بيعيط بالطريقة دي.
حضنته. فضلنا واقفين من غير كلام. وبعدين سمعت أمي ورايا. كانت واقفة عند باب الممر. قلت لها: — وإنتِ كمان أنا زعلان منك. هزت راسها وهي بتعيط. — عارفة. قلت: — بس مش هضيع اللي باقي من عمرنا في العقاب. قربت منها. — شرط واحد. قالت: — أي حاجة. قلت: — من النهارده مافيش أسرار. ضحكت وسط دموعها. — موافقة. افتكرت المرتبة. وسألت فجأة: — على فكرة… ليه حطيتوا كل ده تحت مرتبة؟
أبويا وأمي بصوا لبعض. وبعدين أبويا ضحك لأول مرة من الصبح. قال: — لأن أمك قالت إن محدش في الدنيا هيقدر يقنعها ترمي المرتبة دي. بصيت لها. قلت: — يعني 31 سنة وإنتِ متمسكة بيها عشان الصندوق؟ قالت: — في الأول أيوه. — وبعد كده؟ هزت كتفها. — بعد كده اتعودت عليها. ضحكت. لأول مرة من يومين، ضحكنا كلنا. لكن كان لسه فيه شخص ناقص. بصيت لأختي اللي كانت واقفة عند الباب.
وقلت: — وإنتِ مش هتمشي. قالت: — أقصد إيه؟ قلت: — إحنا ضيعنا سنين كفاية. بعد أسبوع، رجعنا كلنا للبيت الريفي. المرة دي كانت أختي معانا. أمي من لحظة ما شافتها عند الباب ماقدرتش تتحرك. فضلت واقفة. أختي كمان. 31 سنة من الندم والأسئلة واقفة بينهم. أمي قالت: — أنا آسفة. أختي قربت منها. قالت: — أنا عارفة. أمي بدأت تعيط. — كنت صغيرة وخايفة. أختي قالت: — وأنا زعلت منك سنين. سكتت. وبعدين كملت: — بس تعبت من الزعل. حضنوا بعض.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.