ثلاثةُ إخوةٍ ناجحين احتقروا أخاهم الفلّاح

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

تبعته شيلا، ويداها ترتجفان، ثم بن، الذي أسقط مفاتيحه بصوت خافت، كأن الصوت نفسه اعتراف. واحدًا تلو الآخر، تراكمت المفاتيح فوق الخشب العتيق، واختفى بريق المعدن أمام ثقل اللحظة. انهار ريكي باكيًا. لم تكن دموعه دموع ضعف، بل دموع انكسار غرور طال أمده. قال بصوت مخنوق، وهو يحدّق في الأرض: لا أريد الملايين… لا أريد شركات ولا مناصب.

أريد أخي… الأخ الذي خسرته حين ظننت أن النجاح يجعلني أفضل منه. مدّت شيلا يدها تمسح دموعها، لكن صوتها خرج مرتجفًا، صادقًا لأول مرة منذ سنوات: علّمني كيف أزرع… علّمني كيف أبدأ من جديد، بلا ألقاب، بلا أقنعة. أريد أن أتعلّم كيف تُثمر الأرض، لا كيف يُصفّق الناس. أما بن، فقد ظلّ صامتًا طويلًا، ثم رفع رأسه بصعوبة وقال بصوت متهدّج: العائلة أغلى من المال… وأغلى من أي لقب أو منصب.

ما قيمة الأرقام إن فقدنا بعضنا؟ بدأ الشهر التالي مختلفًا عن كل ما عرفوه. مرّ شهرٌ كامل، لكنه بدا كأنه عمرٌ آخر. شهرٌ من شمسٍ حارقة لا ترحم، تستقبلهم مع أول الفجر، ومن طينٍ يلتصق بالأقدام والملابس، ومن عملٍ متواصل لا يعرف ساعات الدوام ولا عطلات نهاية الأسبوع. انحنت ظهورهم تحت ثقل السلال، وتشقّقت أيديهم حتى سال منها الدم، وتقرّحت أقدامهم، وسقطت الأقنعة واحدًا تلو الآخر.

تعلّموا الصبر حين لا خيار سوى الاستمرار، حين لا ينفع التذمّر ولا يفيد الهروب، وحين يصبح الصبر فعلًا يوميًّا لا شعارًا يُقال. وتعلّموا معنى التعب الشريف، ذلك التعب الذي ينهك الجسد لكنه يترك الروح مستقيمة، مطمئنّة، لا يثقلها ذنب ولا يطاردها شعور زائف بالتفوّق. وتعلّموا أن النوم على جسدٍ متعب، تفوح منه رائحة العرق والتراب، أصدق وأعمق راحةً من النوم على وسادةٍ ناعمة محشوّة بالأوهام والمظاهر.

شيئًا فشيئًا، تغيّرت نظراتهم إلى أنفسهم وإلى العالم من حولهم. لم يعودوا ينظرون إلى الأرض باعتبارها عارًا يُخفى، بل مصدر حياةٍ يُفتخر به. لم يعودوا يرون الطين كشيءٍ يُغسل بسرعة، بل كعلامة شرفٍ على من عمل وكافح. ولم يعودوا ينظرون إلى الفلاحين كطبقة أدنى، بل كعمودٍ صامت يحمل الجميع دون أن يطلب تصفيقًا أو اعترافًا.

بدأوا يفهمون أن المدن لا تقوم وحدها، وأن المستشفيات لا تُبنى من فراغ، وأن الجامعات لا تقف إلا على أكتاف من زرعوا القمح قبل أن يُزرع الحجر. وفي اليوم الأخير من ذلك الشهر الطويل، وقبل أن تشرق الشمس تمامًا، حين كان الضباب لا يزال ينساب ببطء فوق أطراف الحقول، كستارٍ أبيض يلفّ الأرض في صمتٍ مهيب، أخذهم كاردينغ إلى مكانٍ لم يعرفوه من قبل.

لم يخبرهم إلى أين هم ذاهبون، ولم يشرح، بل اكتفى بأن يمشي أمامهم بثبات، كعادته، واثق الخطى، مطمئن الوجه. ساروا خلفه بصمت، تتبعهم خطواتهم الثقيلة التي اعتادت الطين والوعورة، لا تشبه تلك الخطوات المترددة التي جاءوا بها في أول يوم. كان في صمتهم هذه المرة شيء من الترقّب، وشيء من الامتنان، وشيء من الاستعداد لرؤية ثمرة ما تعلّموه.

وبينما كانت الشمس تستعدّ لشقّ طريقها من خلف الأفق، انفتح أمامهم مشهد لم يتوقّعوه، مشهد جعلهم يتوقّفون تلقائيًا، كأنهم أمام لوحةٍ أكبر من الكلمات. مبنى ضخم قيد الإنشاء، ترتكز أساساته عميقًا في الأرض، صلبةً كالإرادة التي بُني بها. جدرانه ترتفع بثبات، لا استعجال فيها ولا تردّد، تحيط به الحقول الخضراء من كل جانب، تمتدّ حتى الأفق، كأن الأرض نفسها التفّت حوله لتحميه، وتمنحه شرعية الوجود.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
dd

dodo dodo ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
268مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة