باعه صاحبُ المزرعةِ الغنيُّ بئرًا “جافّة لا تصلح لشيء

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

بدا الآن أصغر مما كان أضعف مما تخيل نفسه يوما. حاول أن يتكلم لكن صوته خرج متقطعا مبحوحا وكأن الكلمات تأبى أن تنقذه. قال بصوت مكسور وقد خانته عباراته وتعثرت كرامته قبل لسانه بعني قليلا من الماء أدفع لك ما تشاء. أعد إلي الأرض وسأعطيك ثلاثة أضعاف ما دفعته أنقذني. لم يجبه ماتيو فورا. ظل واقفا في مكانه يحدق في رودريغو طويلا صامتا وكأن الزمن توقف بينهما.

كان صمته أثقل من أي كلمة وأبلغ من أي عتاب. في تلك اللحظات انفتح في داخله شريط طويل من الذكريات رأى نفسه يوما جاثيا على الأرض يضم أوراق البيع بيدين مرتجفتين يسمع ضحكات السخرية تتردد فوق رأسه ويرى نظرات الشـ,ـماتة في عيون الناس. رأى الرجل الذي أمامه وهو يضحك بلا رحمة لا يكتفي بأن يسلبه ماله بل يحاول أن يسلبه كرامته وأن يقـ,ـتل فيه الأمل وأن يتركه يواجه العطش والمصير وحده.

لكن الصورة لم تكتمل عند هذا الحد. ففي اللحظة نفسها التي استعاد فيها ماتيو قسوة الماضي لاح أمامه وجه آخر لرودريغو وجه لم يكن يعرفه من قبل. لم يعد ذاك الرجل الذي كان صوته يهز الوادي ولا ذلك المتجبر الذي كان يظن أن الأرض والماء والناس خلقوا لخدمته. كان أمامه الآن رجل أرهقه الزمن حتى نحت ملامحه وكساه الجفاف قسوة لم يعهدها في أيام الرفاه وانتزع منه غروره قطعة قطعة كما تنتزع القشرة اليابسة عن جـ,ـرح قديم.

لم يبق من سلطته سوى ذكرى ولا من جبروته سوى ظل باهت. أوقفه القدر فجأة أمام حقيقته العارية وأجبره على مواجهة ضعفه دون وساطة مال أو نفوذ. استدار ماتيو دون أن ينطق بكلمة. لم يكن صمته هروبا بل كان قرارا. كانت خطواته هادئة ثابتة محسوبة لا تحمل غضبا ولا ترددا كأنه يسير على يقين داخلي لا يحتاج إلى شرح.

تقدم نحو بيته كما لو أنه ينسحب من معركة داخلية طويلة لا ليتركها معلقة بل ليحسمها بأكثر الطرق إنصافا. راقبه رودريغو وهو يبتعد فغلبه الظن أن الرفض قد وقع وأن الأبواب التي أغلقها يوما في وجه هذا الرجل تعود الآن لتغلق في وجهه هو. انحنى رأسه أكثر وشعر بثقل غريب يجثم على صدره ثقل الهـ,ـزيمة الحقيقية لا تلك التي تقاس بخسارة مال بل تلك التي تقاس بانكسار النفس.

كان ثقلا لم يعرفه في حياته مهما خسر أو ربح. غير أن ماتيو لم يكن ذاهبا ليغلق بابا بل ليفتح معنى. دخل بيته بهدوء وكأنه يدخل إلى أعماقه يستشير ضميره قبل أن يعود. لم يطل غيابه لكن تلك اللحظات بدت لرودريغو دهرا كاملا. ثم خرج ماتيو يحمل جرة ماء بارد صاف نقي يلمع تحت أشعة الشمس كأنه خلاصة الأرض كلها.

بدا الماء فيها كأنه حياة سائلة وكأن الرحمة قد اتخذت شكلا يمكن لمسه وحمله. ناول الجرة لرودريغو بيد ثابتة لا ترتجف ولا تتردد يد تعلمت من الفقر أن القوة الحقيقية ليست في المنع بل في العطاء وليست في الانتقام بل في السمو فوقه. وقال بصوت هادئ خال من القسوة والتعالي يحمل وقار رجل عرف قدر النعمة بعد حرمان طويل الماء لا يمنع عن أحد يا سيد رودريغو.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
dd

dodo dodo ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
268مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة